أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي

242

رسائل آل طوق القطيفي

الإمضاء ؛ لأنه حينئذٍ لا بداء . وحاصله أنه إذا وصل إلى هذه الرتبة فلا بداء في تقديمه ولا في تأخيره . ومنها : أن الواجب تعالى منزّه ومقدّس عن النقص في ذاته وصفاته وأفعاله من كلّ وجه ، فليس في أمره قهر لا إيجاداً ولا تكليفاً ولا موتاً ولا حياةً ولا رزقاً ، يمنّ على كلّ شيء بما يقبله وسعه اختياراً ، فإذا جاء أجل كلّ امّة لا يطلبون التأخّر ولا التقدّم باختيارهم ؛ لعدم طاقتهم وقابليّتهم لذلك فلا يختارونه . ولأنّ من وافى إن كان على الفطرة جاد بنفسه لما ينكشف عن بصر بصيرته ، فلا يطلب التأخّر ولا الاستقدام ؛ لأنه يرضى بما يرضاه الله له ، بل يختار ما يرضاه الله على ما ترضاه نفسه . وإن كان على غير الفطرة فهو يطلب الاستئخار على هذا يطلبه الكافر ولا يطلب التقدّم ، والمؤمن على العكس من ذلك . بقي السؤال عن وجه تقديم نفي التأخّر على نفي التقدّم ؟ وهل التقدّم معطوف على جملة الشرط والجزاء ، أو على الجزاء وحده ؟ فنقول وبا لله المستعان - : لعلّ الوجه في تقديم نفي التأخّر أن طلب الاستئخار أهمّ ؛ لأنه أوضح فائدةً من الآخر ؛ ولأنّ النفوس بطباعها وفطرها تكره الموت وتحبّ البقاء ، وتكره مفارقة المألوف من الحياة الدنيا . فالمألوف انس النفوس به ، وكراهيّتها فراقه لا تخفى ، والعادات قهّارات ، فوصف حالهم يقتضي هذا الترتيب . وأيضاً البقاء في نفسه أهون من الإيجاد ، والسكون أهون من الحركة ، والاستقرار أهون من الانتقال ، وظهور الرتبة الثانية والصورة الأُخرى في المادّة في نفسها أشقّ وأغمض من الأُولى . أو لأنّ نفي طلب الدنيا بعد معاينة جمال الأُخرى أظهر وأولى من العكس . هذا بالنسبة إلى المؤمن ، فَرُوعِيَ في الترتيب حاله لشرفه ، ولأنّ كون الكافر إنّما هو بالتبعيّة له .